العلمانية: واقع أم حلم؟

إن غياب الثقافة المدنية ونظامها هو سبب بقاء الشعوب العربية في حالتها الرجعية لأن الصراع من اجل العلمانية مزدوج: تنظيمي وثقافي. صاغه ناصيف نصار في كتابه « الاشارات والمسالك » ضمن الجزء الثالث « العلمانية انتصاراً للعدل »، معتبراً ان للعلمانية مفهومين: ضيق – سياسي وواسع – تنويري. فيقول: « […] إن التطور نحو العلمانية يمر جبراً بنزع الصفة الدينية عن الدولة ونظامها، ولكنه يمر قبل ذلك، ومعه، بنزع الهيمنة الدينية على اسئلة الحقيقة ». ان تحرير العقل لا يعني بالضرورة التوجه نحو الفلسفات المادية. ومن يختبئ وراء هذا التعليل لرفض العلمانية يعبّر بنفسه عن ضعف الدين في اثبات صحته دون التخويف والترهيب من فكرة الله القدير خالق السماوات والارض، مما يدل على ضعف ايمانه الديني. لذا نحن في حاجة الى استحداث « مواطنة »، بنظام قانوني خاص، فتفعّل عملياً المفهوم الضيق وتكون  البيئة الحاضنة للمفهوم التنويري. ان وجودها اعتراف تلقائي بحق العقل الدنيوي في الاستقلال عن الفلسفة الروحية وهيمنتها على عالم الوجود.

 

لكن لا يمكننا اغفال العامل الاقتصادي ودوره في هذا الصراع. والحقيقة ان الحالة الاقتصادية السيئة، وعلى الرغم من انها تعيد الانسان الى رابطته العشائرية، ليست وحدها مسببا ومحركا للطائفية. ان الولاء الديني الاعمى هو المحرك الابرز للطائفية ولطالما تضارب مع مصالح الشعب الاقتصادية. مع ذلك نقر بأن علاقة ما تربط بين تطبيق « المواطنة » ومقاومة فساد الدولة، لان النظام اللبناني يقوم على تحالف السلطتين الدينية (الطائفية) والاقطاعية (العائلية والرأسمالية). فحالة المواطن المعيشية تمر جبرا بالمحاصصة الطائفية او الاقطاعية. لذا فلا قيمة فردية للمواطن ولا علاقة مباشرة بينه وبين الدولة. يترتب علينا مواجهة الاقطاع، احد اعمدة النظام، والاستقلال اقتصاديا عنه من خلال انشاء مؤسسات تكفل « المواطنة » على اساس الكفاءة والاختصاص لانه واهم من يعتقد بامكان اصلاح الدولة في حين يأبى « اصحابها » ان يفلت زمام الامور من ايديهم.

 

هل نستطيع واقعيا بناء هذين المكونين الاجتماعي والاقتصادي في لبنان؟ اننا اليوم في محيط يتخبط في الاقتتال المذهبي، وهو صراع يهيأ له منذ عقود، حتى ان « الربيع العربي » يستغل لخدمته. ان هدف هذا الصراع هو اعادة تفتيت المنطقة الى دويلات مذهبية صغيرة متنافرة. فبعدما شهدنا في سبعينات القرن الماضي محاولة قبرصة لبنان، شهدنا في العقد الاخير لبننة العراق، واليوم نشهد لبننة سوريا. ان هذا الصراع هو فخ يعد للمقاومة، وهي بطبيعة تركيبتها المذهبية قد تكون عرضة للوقوع فيه، والكلفة تتعدى خسارة جبروتنا في وجه اسرائيل! ففي ظل النفوذين الخليجي – التركي  من جهة، والايراني من جهة اخرى، كيف ننشئ في لبنان الدولة الاقل سكانا في المنطقة والاضعف اقتصاديا وعسكريا، نظاما جديدا هو الاول من نوعه في العالم العربي؟ كيف نحصنه من الاحداث السياسية وتطورات الشارع التي اوصلت الاسلاميين الى الحكم؟ واذا استغنينا عن الدعم الخارجي، كيف نحميه من مطامع اسرائيل التي ترفض قيام نظام مماثل خوفا من وضع وجودها موضع شك؟ فهي تدعم انظمة تستغل الدين وتؤوّله، على غرارها، وتخشى اي نظام علماني يجمع فسيفساء مجتمعنا ويوحده في حرب ضدها. من هنا نرى علاقة الصراع من اجل « المواطنة » باقتصاد المنطقة ككل كما بسياساتها، فمن المستحيل عزل  لبنان وانقاذه « وحده » من الغرق بينما تغرق المنطقة في التشنج والانشقاق المذهبيين.

نعم، ان تتجه المنطقة الى العلمانية اكثر واقعية من ان يتجه نحوها لبنان وحده، لانه لا يملك مقومات الصمود في وجه اعداء العلمانية من حولنا. ولكي يبقى الامل في غد افضل يحمل المعاني الحقيقية « للربيع »، لا بد لاي حراك ان يشمل بلاد الشام والعراق. ان هذه المنطقة التي تتشارك في طبيعتها واراضيها الغنية وثرواتها، تتوحد فيها الحياة والمصالح، وهي قد صهرت عبر الازمنة مجتمعا يحضن التنوع المذهبي نفسه مع تميزه فكرا وثقافة وحضارة. وحدها قادرة على مواجهة المخطط المرسوم للعالم العربي دون ان تفقد بنى مقاومة اسرائيل، بل تطورها الى مقاومة قومية مستقلة عن اي تغيير اقليمي. هذا هو التحدي السياسي لوطنيي المنطقة وعلمانييها: حماية المقاومة ومدها قوميا. يتعين علينا توحيد مطالبنا، من نظام اجتماعي – اقتصادي جديد وسياسة وحدوية مقاومة، في « مواطنة » تتخطى حدود سايكس – بيكو، وتشكل واقعا اجتماعيا منظما على شكل « دولة » مصغرة تدفع الى ربيع جديد آت لا محال. هذه « الدولة » تكون مغنطيسية لانها ثغرة في حائط الانظمة الرجعية التي ما عادت تعبّر عن مطامح المجتمع العصري، والبديل من المعارضات الوهمية والمأجورة في آن واحد.

 

سمير مخلوف

الجمعة 17 شباط 2012- السنة 78 – العدد24650

 

http://www.annahar.com/article.php?t=minbar&p=2&d=24650

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *