موقف الجمعية من المسألة الكردية

إن الأخبار التي تأتينا من شمال هلالنا الخصيب، ونقصد بالتحديد الاستفتاء الذي حصل في شمال الكيان العراقي، تستدعي التوقف عندها ومحاولة إبداء الرأي فيها، لما لهذه التحركات من خطر وجودي، يشبه إلى حد بعيد ما عاشته المنطقة في مطلع القرن الماضي من مطامع إستعمارية وإقليمية وتقسيمية ما نزال ندفع ثمنه الى اليوم

تاريخياً، يحتوي الهلال الخصيب على مكونات وهجرات متعددة وتشهد بعض المناطق في الشمال تمازجا بينها حتى في أصغر القرى. لكن المفاهيم الاجتماعية والحياتية العامة السائدة في الهلال الخصيب منذ فترة غير وجيزة، والتي منها نشأت الأنظمة السياسية الحاكمة منذ استقلال كيانات سايكس بيكو، لم تتمكن من بناء وحدة روحية بين كل هذه المكونات فتصبح متحدا اجتماعيا، بل ظلت جماعات تنتظر فرصة لتعتدي الواحدة منها على الأخرى بدلا من انبثاق وعي وطني اجتماعي موحد على المصلحة الواحدة. مما دفع بهذا التمازج إلى التآكل رويدا رويدا بسبب موجات كثيفة من النزوح والهجرة والحقد،  نتج عنها تغيّرا ديموغرافيا عزل المكونات عن بعضها البعض او منح تفوقا عدديا لمكون سوى غيره. ومع تغير ميزان القوى والتحالفات الاقليمية وسياسة الأمر الواقع، تم في بداية التسعينيات من القرن الماضي، إنشاء إدارة حكم ذاتي في شمال العراق تحت حكم حزبين كرديين. ومع تحرك المنطقة من جديد في بداية عام 2011، وجدت هذه التيارات السياسية فرصة سانحة لتأسيس دولة كردية.

ان تأسيس دولة داخل الحدود الجغرافية للهلال الخصيب ليس بأمر جديد. فعشية تنفيذ اتفاق سايكس بيكو وترتيبات مؤتمر فرساي، اعلن الفرنسيون انشاء دولة لبنان الكبير « حماية » لطائفة دينية. ان محاولة انشاء دولة تكون الهيئة السياسية والحقوقية التي تأوي جماعة فئوية نفسها فيها مسألة طبيعية ومتوقعة عندما يعاني المجتمع من ازمة هوية بسبب تخبط مفاهيمه الاجتماعية والحياتية وتداخلها بالدين والعنصر (او العرق). وان مثل هذه المحاولات لن تتوقف طالما ليس لدينا مخرج نظري لأزمة الهوية يؤسس لمفاهيم اجتماعية ووطنية قائمة على وحدة الحياة في الهلال الخصيب، وبالتالي يؤسس لدولة المواطنة حيث تتساوى افراد المجتمع في الحقوق والواجبات. اما بقاء حالة الامتيازات التي تتمتع بها جماعة دون سواها في هذه الدولة او تلك، فلن تسمح بإزالة « طبقة » الطائفة او الاتنية التي تمنع الاتصال المباشر بين الفرد ودولته وبالتالي تمنع الانتماء والولاء للدولة والوطن. هذه الطبقة من المؤسسات، الفاصلة الفرد عن الدولة، تبقي وجوده ومصلحته رهنا بارتباطه بالطائفة او الاتنية التي بدورها تسعى جاهدة لربح المزيد من الامتيازات على حساب غيرها، تارة في السياسة وطورا في الحروب، او حتى « للانعزال » نهائيا في دولة جديدة تمنح نفسها فيها كل الامتيازات لو استطاعت الى ذلك سبيلا.

واننا نتمنى على شعبنا في الهلال الخصيب التنبّه الى ان الطائفة والاتنية اسهل استخداما من قبل الدول النافذة كآداة من اجل تحقيق مآربها الاستعمارية والتوسعية. كم من عبرة في تاريخنا عن هذا الاستخدام، نقصد عن جماعة  اعتقد سياسيوها انهم في سبيل الحق سائرون، لكنهم في الحقيقة أوقعوا شعبنا في اقتتال داخلي او خارجي واحرقوه وقودا لتنفيذ مصالح اجنبية؟

من هذا المنطلق، يجب ان تتساوى حقوق الافراد وان يرفع الظلم عن جميع أبناء الهلال الخصيب من خلال إقامة مؤسسات مدنية علمانية مستقلة يكون القانون فيها هو السائد فوق الجميع، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية في بعض المناطق.

آن لنا ان نفهم مشاكلنا وان نبتعد عن الوجود الجزئي لنتوجه نحو الوجود الأول والكلي، أي المجتمع، وان نبني مجتمعا جديدا تذوب فيه العصبيات الفئوية. إنه الحل الأمثل حيث يكون فيه الإنسان أولا، وذلك بمقدورنا تحقيقه مستفيدين من تاريخنا المليء بالعبر ومدركين واقعنا المليء بالجراح، على شرط صناعة مستقبلنا بأيدينا لا تركه ليفرض علينا من الخارج.

انها دعوتنا في جمعية الهلال الخصيب لكل شعبنا.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *