ما هو الهلال الخصيب؟

منطقة الهلال الخصيب

Le Croissant Ferile

منذ فجر التاريخ،  عاش الإنسان وازدهر في منطقة الهلال الخصيب وبلاد الشام والمشرق. ومنذ اختراع الزراعة والرعي في بلاد ما بين النهرين حتى ظهور أول أبجدية بالقرب من الساحل السوري، شهدنا ولادة البذور الأولى للحضارة الإنسانية. الثروة الحيوانية والنباتية في هذه المنطقة بالإضافة إلى مناخها معتدل، وشعبها المبتكر كان بمثابة الحجر الأساس في بناء  الامبراطوريات العظمى الأولى مثل الإمبراطورية الأكدية، السومرية، الآشورية والبابلية

حماه
Le site de Palmyre - Syrie
موقع تدمر الأثري

هذا الكيان الجغرافي الممثل بالهلال الخصيب كان الأساس في تشكيل حياة سكانه. التفاعل بين الإنسان وبيئته الطبيعية أنجب تفاعلاً روحيا و عادات مشتركة. فأبناء  الهلال الخصيب هم الذين كتبوا ملحمة جلجامش. و هم من كان يحتفل كل عام بعيد آكيتو أي إحتفال قدوم فصل الربيع.  إن التفاعل العامودي بين الشعب و البيئة من جهة، والتفاعل الأفقي من جهة أخرى، شكل البناء الروحي الفريد الذي رسخ  هوية سكان الهلال الخصيب عبر العصور.  وحتى اليوم،  نرى أن الوحدة اللغوية بين السوريين والعراقيين والأردنيين، واللبنانيين والفلسطينيين، فضلا عن أسلوب حياتهم والمراجع الثقافية، وأهم من كل ذلك وحدة حياتهم العضوية و وحدة مصالحهم المستقبلية هي حقائق لا يمكن  لأي مراقب إنكارها

 إن عرض الأخبار اليومية يبين لنا أن أي هزة في الموصل تمتد آثارها إلى دير الزور وحمص و أن إهتزاز آخر في طرابلس يمتد أيضاً إلى بلاد الشام. هذا يدل على أن سكان هذه المنطقة متحدون في المصير ، حتى لو كانوا لا يدركون ذلك

Statue de Gilgamesh
تمثال لجلجامش

 

الهلال الخصيب اليوم

شهدت المنطقة اضطرابات قوية منذ العصور القديمة.بكونها في ملتقى الطرق بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، وفي قلب العالم القديم،كان الاستقرار السياسي من الأحداث قصيرة الأمد. وإذا استمر ذلك الاستقرار كان الثمن دوماً وحدة الهلال الخصيب وسيادته

إن  اتفاقية سايكس بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 كانا الحلقة الحاسمة في تقطيع أوصال الهلال الخصيب، حين تقاسمت  القوى الاستعمارية في ذلك الوقت فرنسا وبريطانيا بلاد الشام بشكل لا يخدم إلا مصالحها الاستعمارية. هذه المصالح المتضاربة فيما بينها أدت إلى نشوء صراعات مدمرة لا نزال نشعر بمساوئها حتى اليوم

خارطة الهلال الخصيب كما رسمتها القوى الاستعمارية في اتفاقية سايكس بيكو

شكل الغزو الإجرامي للعراق ومن بعده الحرب في سوريا نقطة تحول في تاريخ المنطقة. أثبتت الحرب و تثبت يوميا أن لا الحدود التي نصت عليها اتفاقيات سايكس بيكو ولا الانقسامات العرقية أو الدينية هي حلول مجدية من أجل نهوض المنطقة  وتنمية مجتمعها. تشكل اليوم المنطقة من الشاطئ الشرقي للمتوسط إلى جبال زاغروس عند الحدود الإيرانية، ومن قوس الصحراء العربية حتى جبال طوروس على الحدود التركية، وحدةً عضوية  يجب أن تمتلك وسائلها الخاصة للحياة والازدهار وأن أي محاولة لتقسيم المنطقة حسب معايير طائفية (الشيعة, السنة, المسيحيين,…) أو عرقية (العرب, الأكراد, الآشوريين, والفينيقيين…) لا يمكن إلا أن يؤدي إلى تفاقم الجروح التي تنزف  منذ عقود

مستقبل الهلال الخصيب

على الرغم من أن اختفاء الحدود بين البلدان جاء نتيجة حروب مروّعة دموية ، إلا أن هذه الأحداث هي بمثابة ناقوس الخطر الذي يدفعنا لإعادة النظر بمستقبل منطقتنا بطريقة عقلانية تخدم مصالحنا ومتناسقة مع تاريخ المنطقة وثقافتها. مستقبل الهلال الخصيب كما ترسمه القوى الفاعلة على الأرض اليوم يدخل مستقبل المنطقة بغموض كبير جداً. فشعبه وإرثه الثقافي والاجتماعي وسيادته وخيراته باتوا مهددين أكثر من أي وقت مضى

مستقبل الهلال الخصيب مسؤولية تقع على عاتقنا

لذلك فالمسؤولية التي تقع على أكتاف أبناء الهلال الخصيب أصبحت كبيرة. على  الرغم من أن الاضطرابات السياسية وعواصف القتل والطائفية الحالية تسلط الضوء على ما يقسّم أبناء الهلال الخصيب إلى مجموعات متناحرة، إلا أن إلقاء نظرة عميقة في تاريخ حضارتنا الألفية والتنوع الثقافي الأخّاذ، و الامكانات المادية الفريدة من نوعها تسمح لنا بإيجاد بدايات نهضة منيرة

ادعموا مشاريع الجمعية